السيد محمد حسين الطهراني

43

نور ملكوت القرآن من أقسام أنوار الملكوت

ولقد أوصى نبيّ الإسلام بالجار ، وكان يُشرك جلساءه وأصحابه في الهدايا التي تُجلب إليه ، وكان يتحرّز من تناول الطعام في ملأ عامّ بحيث يراه عابرو الطريق ، حتى أنّه أوصى بقطط البيوت أن لا يُتركن جياعاً إذ . هُنَّ طَوَّافَاتُ بُيُوتِكُمْ . فلم يكن يرضى - لهذا - أن يتمتّع وأصحابه بنعمة الإيمان والتوحيد والإسلام ، والتي تعدل آلاف المرّات النعم المادّيّة والحياتيّة الدنيويّة ، في حين يُحرم بنو نوعه وبنو جنسه من بني آدم من هذه النعمة ، ولو كانوا يعيشون قباله في الطرف الآخر من الدنيا ! وعليه ، فقد كان يمتنع من الأكل إلّا ما جشب ، ويتجافى عن الراحة والنوم إلّا قليلًا ، ويشدّ حجر المجاعة على بطنه ، وينصرف مع أصحابه إلى معركة الجهاد فيقف فيها أقربَ الناس إلى العدوّ . وكان يُجرح ، وتُكسر رباعيّته ، وينغرس حلق الحديد في جبينه فيسيل دمه ، ولا يستطيعون انتزاع بيضة الحديد من رأسه الشريف واستخراج حلقاتها الحديديّة ؛ ويستشهد أقرب أرحامه إليه ، كعمّه الجليل حَمْزَة بن عَبْدالمُطَّلِب ، وابن عمّه عُبَيْدَة بن الحَارِث بن عَبْدالمُطَّلِب ، وتصيب حاميه الوحيد وابن عمّه عليّ بْنَ أبِي طالِب في معركةٍ واحدة تسعون جراحة وُضع في أكثرها فتائل لتعذّر تضميدها ، ويسقط أصحابه قرّاء القرآن من أمثال عبد الله بن عَمْرو بن حَرَام أب جابر وعَمْرُو بن الجَمُوح على الأرض مقطّعين إرباً إرباً ، كلّ ذلك كي لا يجلس وحده إلى هذه المائدة السماويّة ، بل يدعو أبناء نوعه وجنسه فينتفعون بنور العلم والعمل . ولقد كان أيسر عليه كثيراً ؛ لو لم يكن هدفه ذاك ؛ أن يهاجر من مكّة مع قلّة من أصحابه ، فيختار مكاناً عند نهرٍ جارٍ أو عند مساقط مياه ذات هواء عذب فينشغل بالترنّم وقراءة آيات القرآن متمتّعاً بالمزايا الروحيّة فقط . لكنّه لم يفعل ذلك ، بل كان يرى نور التوحيد تحت ظِلال بريق